الشيخ ابراهيم الأميني

93

تزكية النفس وتهذيبها

ويسعون لتهيئة الزاد للدار الآخرة ؛ يستخدمون كل موجودات هذه الدنيا في سبيل الآخرة وحتى من العمل وتناول الطعام والشرب والنكاح وسائر الأعمال الدنيوية ؛ ليسوا أهل الدنيا بل أهل الآخرة . ابن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : « إنا لنحب الدنيا فقال لي : تصنع بها ما ذا ؟ قلت أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق . قال : ليس هذا من الدنيا ، هذا من الآخرة » « 1 » . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « واعلموا عباد اللّه أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة ، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون ، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون ، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ والمتجر الرابح ، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم ، وتيقنوا أنهم جيران اللّه غدا في آخرتهم ، لا ترد لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من لذة » « 2 » . إذن الاشتغال بالعمل والكسب والصناعة والتجارة والزراعة ، ومثله أيضا قبول المناصب والمسؤوليات الاجتماعية لا يتعارض مع الزهد وأهل الآخرة ، بل يمكن استخدام هذه الأمور في سبيل الآخرة وتحصيل رضا اللّه تعالى . لقد كان أمير المؤمنين عليه السّلام من أزهد الناس وأتقاهم ، مع أنه كان جادا في عمله وسعيه للكسب ؛ عندما تسلم الحكم صار وليا على الناس ، كان يقضي لياليه في الدعاء والتضرع والذكر ، ومما كان يقول : « يا دنيا يا دنيا ! إليك عني ، أبي تعرضت ؟ أم إليّ تشوقت ؟ لا حان حينك ؟ هيهات ! غري غيري ، لا حاجة لي فيك ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ! فعيشك قصير وخطرك يسير وأملك حقير . آه من قلة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظيم المورد » « 3 » . ويقول في مكان آخر : « إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللت من

--> ( 1 ) بحار الأنوار ج 73 ص 63 . ( 2 ) نهج البلاغة ، كتاب رقم 27 . ( 3 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، رقم 77 .